مؤلفات الشيخ يحيى اليحيى

aljamm4.png

هل من إطلالة على تاريخ دورات تحفيظ السنة؟

ما الأهداف الخاصة والعامة التي ترمي لها دورات تحفيظ السنة؟ 

ما فكرة الدورة؟

كم البرنامج الزمني للدورة؟

ما أشكال وأنواع الدورات المقامة لتحفيظ السنة؟

ما شروط الالتحاق بالدورات المكثفة وغير المكثفة؟

هل يمنح الحافظ إجازة أو شهادة تثبت حفظه؟

كم خرَّجت دورات تحفيظ السنة؟

 

هل بالإمكان أن تذكروا بعضًا من مخرجات الدورة الماضية بالأسماء؟

ما التصور العام الذي ستجري عليه جوائز الأئمة الأربعة؟

ما برنامج الحفظ؟

هل ستقتصر الدورات على تحفيظ السنة؟

ماذا يقصد بالموسوعة الحديثية في مشروع تحفيظ السنة؟

ما المنهج في تدوين الجمع بين الصحيحين؟

ما المنهج في تدوين ما زاد على الصحيحين؟

ما الذي ينبغي أن يكون له الأولوية في الحفظ؟

ما الذي يقوي الحفظ؟

ما أسباب نسيان المحفوظ؟

ما الطريقة المثلى في ضبط المحفوظات؟

ما أهمية الحفظ؟

ما الطريقة في ضبط السنة؟

هل من رسائل توجه إلى الحفاظ؟

هل من رسائل للمحفظين؟

هل من توجيهات في من يريد حفظ عشرين صفحة في اليوم؟

هل صحيح ما يقال: "ما حُفظ بسرعة يذهب بسرعة"؟

هل للحفظ عمر ينتهي إليه؟

متى تقوى الحافظة؟

ما دواء النسيان؟

كيف تكون مجالسة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

من أهل الحديث على الحقيقة؟

ما الفائدة العلمية من حفظ السنة؟

ما الدليل على ذم من لا يحفظ السنة وهو يستطيع حفظها؟

ما ميراث الأنبياء الذي يتأكد حفظه؟

ما مادة الدروس الغالبة عند السلف، وكيف كانوا يؤدونها؟

كيف كان السلف يخافون على السنة وحفظها وذهاب أهلها؟

كيف كان السلف يذمون من لم يحفظ الوحيين؟

كيف كان مبلغ حرص الصحابة في تبليغ السنة؟

ما الدليل على أن العلم إذا أطلق فالمراد به علم السنة؟

ما الدليل على شمولية السنة؟

متى تموت السنة؟

ماذا بلغ من تعظيم السلف للسنة؟

كيف كان السلف يعرفون خطأهم من صوابهم؟

ما التوجيهات النبوية المؤكدة لحفظ السنة؟

هل من نصيحة في باب أخذ الحيطة من آراء جهال السنة؟

ما الدليل على غربة السنة؟

من خلفاء الله في الأرض؟

من الذي يخون الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث يشعر أو لا يشعر؟

من الذي يذب عن النبي صلى الله عليه وسلم  حقيقة ؟

ما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

ما العلم الذي يستحق أن تُنفق فيه الأنفاس الفاضلة؟

 أما الجواب على السؤال الأول هل من إطلالة على تاريخ دورات تحفيظ السنة ؟

فإنه على حلقات 

 

الحلقة الأولى: بداية القصة.

في مرحلة من مراحل حياتي استوقفتني الحالة السائدة في تحصيل علوم الشريعة، فوجدت الأعم الأغلب مستغرقاً في تنظير قواعد وتفريع مسائل وشرح لمتون واختصار لكتب، وكانت غاية ما يقدم لطلاب العلم المتميزين وغيرهم متون علمية.. ومنظومات رجزية.. ومقطوعات صوتية. قد خلت من نَفَسِ المعصوم صلى الله عليه وسلم حتى حِفْظ الحديث هو في متون مؤلفة لأحاديث الأحكام فحسب، هذا إن لم تكن مجموعة أحاديث معدودة لا تتجاوز المائة والمئتين! وتساءلت هل هذا هو دأب السلف في القرون المفضلة الأولى؟ وإذالم يكن الأمر كذلك فكيف السبيل؟ وما الطريق إلى انتهاج طريقة السلف؟ وهل هو ممكن في ظل الظروف الحالية؟ ثم قلت : لماذا غاب حفظ أصول السنة كالصحيحين والسنن والمسانيد؟ لماذا غاب عن الساحة جامع البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد وموطأ مالك؟ هل كانوا ألَّفُوها لأنفسهم؟ أو أنه لا يحفظها إلا أهل عصرهم؟ أو أن ذاكرة أهل زماننا غير ذاكرتهم؟ بالطبع كلا .

 

ومن هنا كانت البداية، فبدأت مع نفسي فحملتها على حفظ السنة من مصادرها الأصلية، وعكفت على ذلك حتى استقر في ذاكرتي محصَّل مُعتمد كتب السنة ولله الحمد ثم بعدها أردت أن أقرر هذه الطريقة وأن أطرح هذا المنهج على الساحة وكانت البداية في بريدة مقر إقامتي..

 

فبريدة تعتبر النواة الأولى لدورات الحرمين، بل إن شئت قل هي الانطلاقة الكبرى لمشروع تحفيظ السنة وما بعدها هو من نتاجها وعيال عليها.

فحين فرغت من حفظ الجمع بين الصحيحين على يد شيخي "عبد الله الدويش" و "عبد الكريم اسكندر" ولدت فكرة تحفيظ السنة وبدأت المسيرة، وكانت الانطلاقة من مسجد "السنيدي" بحي "السلام" ببريدة وقد كنت إمام المسجد وقتها. وكان ذلك في عام 1406هـ.

فقمت باستقراء وحصر نسبي لحفاظ القرآن الكريم من الشباب ممن هم في المرحلة الثانوية ممن يتحلون بسمت صالح وحب للعلم، فاجتمع لي بادئ الأمر ستة منهم: "فهد بن عبد الرحمن اليحيى، وتركي بن فهد الغميز، وأحمد ...، وصالح الصقعبي، وعبد الله ...، وعبد الرحمن ...". فرتبت معهم ليكون الاجتماع بهم لأقوم بتوضيح الفكرة، وتجلية الخطة، ووضع الآلية. وفعلاً حصل الاجتماع وتحدثتُ فيه عن أهمية الحفظ وكيفيته، والسُّبُل المُفْضِية إليه والمعوِّقات التي قد تحول بين حافظ القرآن ومواصلة الطلب، وأشعلتُ فيهم الحماس ورفعتُ منهم الهمة، فحازت كلمتي ارتياح الجميع، وحددنا موعد البدء لتكون الحلقة الحديثية في مسجد حي "السلام"، وقد كان. فحضر الجميع ولم يتأخر واحد منهم والحمد لله.

 

الحلقة الثانية: حلقة القصيم.. الإبتلاء الكبير

 

كانت الأيام الأولى للحلقة أيامَ اختبار وتمحيص.. لي أولاً؛ هل أثبتُ على التحفيظ حتى لو تخلى عني الأحباب؟ أم لا؟ وهي اختبار أيضاً للفئة التي بدأَت معي هل تصدُق في الطلب وتصبر على مر الحفظ والتحفظ وغرابة الطريق؟ أم تنكص على الأعقاب وترجع القهقرى؟

 

مرت أولى الأيام بجدية وحماس ونجاح في الحفظ، ولم يَدُر في خَلَد أحد أن يخضع الجميع لاختبار صعب يَبتَليهم وهذا ما حدث.. عندما انتصف الطلاب في كتاب الإيمان بدأ ينتابهم العجز والكسل ويدب فيهم الملل، وكنت أرقب الحلقة وأنا خائف مترقب للفشل في كل لحظة حتى إنني إذا جلست في مجلس التسميع كنت ألحظ بعيوني وألتفت كثيراً إلى باب المسجد أنتظرهم بكل لهفة وشوق وترقب لحضورهم.

 

وذات ليلة طلبت منهم الحضور للمسجد لأبُثَّ لهم ما يُكِنُّه صدري في تخوف وأمل، فلما اجتمعوا ذكرت لهم توقعاتي المستقبلية ومما قلت لهم: يا أحبابي، كم أنتم اليوم؟ فقالوا: تسعة. فقلت: أنا متأكد كما أنكم أمامي أنه لن يبقى منكم إلا خمسة أو أقل.

 

فكان كل منهم يقول: لعلي أكون أنا الذي أبقى، واستبعدوا أن يتوقف واحد منهم مع هذا الحماس المتوقد حتى إن بعضهم أقسم أنه لن يتوقف مهما كانت الظروف وكنت أقول: ستبدي لكم الأيام ما تخبؤه لكم، وأنتم والميدان.!

 

ومرت الأيام بعد هذا اللقاء، وفي اليوم السادس منه يكون أول انفراط العقد وتثلم الحلقة ثلمتها الأولى.. حين تخلف "صالح" وذلك قبل أن يكمل كتاب الإيمان، وصار تخلُّفه يتكرر ويستمر حتى علمت أنه انقطع.

 

ومرة وافقته فسألته عن ذلك، فبرر الانقطاع بأن عنده مشاريع وأعمالاً وقد كان صادقاً. وبعده بدأ الشك والوهن يتسرب إلى نفوس الباقين، وبدأ التسيب، فتبعه "أحمد"، وقد كان فرغ من كتاب الإيمان وقد كنت أُجلُّه -ولا زلت-، ومن بعده "عبد العزيز"، ثم أصدم الصدمة الكبرى بتخلف "فهد" الذي كنت أعلق عليه الآمال حتى إني لأذكر الحديث الذي توقف عنده وهو حديث أبي هريرة: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا"، فلم يزل يتساقطون حتى ما بقيت إلا مع اثنين: "تركي الغميز" و"عبد الرحمن"، فانتهوا من كتاب الطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام، ولما انتصفوا في كتاب الحج وبالتحديد عند حديث وبرة: "سألت ابن عمر عن الطواف" صار بيني وبين "عبد الرحمن" موقف، فزجرته وأنَّبتُه، وأظنني أسمعته كلمة جارحة، فقام قائلاً: أعتذر عن المواصلة. فقلت: أنت وما شئت، وقد وليتك ما توليت. وفعلاً ينقطع، وأبقى مع ريحانة القلب "تركي الغميز".. (من جَدوَاه تَنشر ما لم يُنشر) وحيداً فريداً.

 

 

وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم *** وعانق المجد من وافى ومن صبر

 

وهنا كانت محنتي مع تخاذل الطلاب في الحلقة وانسحابهم الواحد تلو الآخر، فلقد كنت بذهاب الواحد منهم كأني أفقد أخاً عزيزاً عليَّ إن لم يكن ابناً محبوباً، وبقيت وحدي في الحلقة مع واحد فقط من التسعة "تركي الغميز"، ولكن والحمد لله أنزل الله على قلبي الثبات والطمأنينة وتسليت ببقائه ولم أقطع الأمل من عودة من انقطع لتعود المسيرة من جديد. 

 

الحلقة الثالثة: انتظام العقد بعد انفراطه

 

وفعلاً؛ أراد الله بهم الخير، وكان أولهم رجوعاً: (فَطِن البديهة) "فهد اليحيى" حين اهتبلت فرصة وجوده في إحدى مناسبات العائلة، فأخذته وحدَّثته وبَثثتُ له حبي وارتياحي لوجوده في الحلقة وطموحاتي فيه، فما كان منه إلا أن وعدني الوعد المؤكد على أن يعود ويكمل المسيرة.

 

ويرجع "فهد"، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن انتصف "تركي" في الطريق، وتأخذ "فهد" الحماسة والجد فكان لا يغيب يوماً واحداً، وفرحت بهذين الطالبين أيما فرح، وما هي إلا أيام ويعود العقد إلى نظامه وترتص اللآلئ بجوار أخواتها، ويعود (مفتاح باب الندى) "صالح الصقعبي" ومن بعده (ساحر اللفظ) "عبد العزيز الراجحي"

وفي الجواهر أشباه مشاكلة *** وليس تمتزج الأنوار والظلم

وهنا تدخل الحلقة في طور جديد، حين ينضم إليها كوكبة من النجباء وخيار الشباب، يبدؤهم (مَن زَرَعْتُ لَه في الصَّدْرِ مِني مَوَدَّةً) "يوسف الغفيص"، ومن بعده (حلو الشمائل) "إبراهيم الحميضي". وكان يوسف هذا فاتحة الخير إذ بدخوله اشتعل الحماس بين الحفاظ، وأُوقدت فتيلة التنافس، وإذ بالحلقة تبلغ أصداءها أنحاء "بريدة"، فطفق كل من حفظ القرآن يعرض عليَّ التسجيل، فمنهم من يَصدُق وأقبله، ومنهم من يعتذر فأعذره.

 

ثم أنتقل إلى جامع "الجردان" إماماً وينضم إلى الحلقة مثاليون كان منهم : (من اشتق مُسَمُّوه له اسماً من الحمد) "محمد بن صالح المحيجين"، ثم (من ملأ عيني ملاحة وجمالاً) "عبد الله بن ناصر السُّلْمِي"، وبعده (من ملأ فؤادي مهابة وجلالاً) "عبد الله بن فوزان الفوزان". وتمضي الأيام ليأتي (من لم يذق سكر الشباب) "عبد الرحمن العقل"، ويتسابق الشباب من حفاظ القرآن الكريم على الحلقة، كلما حدَّثهم بها أحد أو حضروا لقاءً من لقاءاتي فيبادرون ويطلبون التسجيل، فينضم إلى الحلقة: "فهد التركي" و(من صُعِقت به أذن الحسود) "عبد الله بن محمد التويجري"، ثم (من عفت محاسنه عندي إساءته)" ياسر بن إبراهيم السلامة"، ثم (من نِيطَ حب المكرمات بلحمه) "سليمان الدبيخي"، ثم جاء "عبد الرحمن بن علي الجمعة"، ثم "خالد السيف"، ثم "أحمد الصقعوب". وقد كنت كلما جاء طالب وتوسمت فيه النبل والذكاء خررت ساجداً لربي شكراً.

 

وتمضي الأيام.. ويختم "تركي" المقرر، ويصنع بهذا الختام مناسبة برية ويذبح فيها ذبيحة، ويلقي "فهد اليحيى" بهذه المناسبة قصيدة. ثم يتوالون في الختام، وكل من ختم خرج بنا إلى البر في مناسبة حتى ختم الجميع "الجمع بين الصحيحين" وشرعوا في "السنن" ومنهم من تجاوزوها إلى "المسانيد". ثم تفتح حلقات لتسميع الأحاديث يتبناها أولئك الفتية ويواصلون المشوار ويكملون المسيرة التي بدؤوها فحلقة للشيخ "يوسف" و"تركي الغميز" و"فهد اليحيى" و"عبد الله الفوزان" و"محمد الراشد".

والحمد لله الذي حَمى حِمى الحلقة بحماه، ورعا رعاياها برعايته.

 

وانطلقت الحلقة بحمد الله بكل جد وصدق واستمرت في تحقيق رسالتها ولم تنقطع أبداً حتى مع تخلف المتخلفين وتثبيط المخذلين بقيت جَذوتها مضيئة لم تنطفئ، فلقد بدأت الحلقة بستة حفاظ، ثم ما لبثوا يزيدون مع مرور الأيام حتى صاروا يربون على الثلاثين حافظاً. وكنت أجمعهم في كل شهر في طلعة برية فكانوا إذا اجتمعوا جاؤوا بكل طريفة فيزداد بعض القوم من بعضهم علماً، وكنت أعقد لهم المناظرات العلمية التي ربما تستمر الواحدة منها خمس ساعات. وذات يوم خرجنا مع الحفاظ في إحدى النزهات، وقد كنت أعددت كلمة لأثبت بها الحفاظ وأرفع معنوياتهم، وإذ بـ"يوسف الغفيص" يطلب أن يتحدث فأذنت له، فتكلم بكلام وضع فيها النقاط على الحروف، وأكد للجميع أن مسيرة الحفظ ستسمر، ولن يعيقها أحد، وتخلف الواحد أو أكثر لن يضر إلا صاحبه، فالمحجة ظاهرة والطريقة سُنية..، ويعلم الله كم ارتحت كثيراً لكلامه، فلقد أثلج صدري وأزال ما علق في خاطري تجاه من انقطع عن الحلقة، ومنذ ذلك اليوم ولـ"يوسف" مكانة خاصة في قلبي، ومن يومها وأنا أوليه كل عناية وأفيده ما استطعت، وبالمقابل كنت أسأله وأستفيد منه أيضاً، وعلمت بما لا يدع للشك مجالاً أنه رجل له مستقبل كبير، ولقد قلت له يوماً : يا"يوسف" إن شاء الله ستكون من حفاظ الكتب الستة، فقال : صحيح يا شيخ ! ممكن هذا؟ وابتسم، فقلت له: أنت مؤهل، وأنا متأكد من ذلك كما أن بعد اليوم غداً.. وقد كان ما تأملته فيه بفضل الله.

 

بعدها انتقلت إلى جامع "الملك فهد" بـ"الصفراء" استمر تسجيل الطلاب في الحلقة فالتحق في تلك الفترة: (بارع النسب) "شافي بن سلطان العجمي" ثم (من كل حُسن فمن عينيه أوله) "عمر بن عبد الله المقبل" ثم "فهد الشتوي" ثم "محمد بن عبد الله السيف" ثم (من بَلَوتُه فلم أزدد إلا رغبة في إخائه) "عبد المحسن المطيري" و"عبد القادر العامري" ثم التحق "وليد الحسين" ثم "أحمد الخضيري" و"تركي بن عبد الرحمن اليحيى" إلا أنه انقطع ثم واصل في الدورات المكثفة بمكة المكرمة. 

ثم توقفت الحلقة لعائق معتبر استمر ثلاث سنوات، ثم زال العائق بحمد الله وانتقلت إلى مسجد "حسان بن ثابت" بحي الإسكان، وكانت مواصلة التحفيظ بعد ذلك لكن على قلة وضعف، وكان أول من بدأ (من شُقَّ من عُود المحامد عوده) "بدر بن إبراهيم الغيث" ثم (الثقف اللقن) "نايف العجمي". ثم تولدت فكرة الدورة المكثفة الصيفية في الحرم المكي ثم الدورات المكثفة الفصلية، ولا زال العطاء مدراراً والإقبال متواصلاً، ولا أكون مبالغًا إذا قلت: إن الحفاظ الآن قد تجاوزوا العشرين ألفا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

وهكذا استمرت الدورة في "بريدة القصيم" أكثر من أربع سنوات رأيت فيها أحسن الطلاب وعشت أيامها مع من أقول إنهم نخبة من كان في بريدة وقتئذ، ولا أدل على ذلك من المكانة التي وصل إليها أولئك القوم بفضل الله عليهم.

وقد كانت تعرض على الحفاظ المثبطات والمهونات، وتتجاذبهم المشاغل، وينتابهم الملل بين الفينة والأخرى. ربما كان ذلك عائداً إلى عدة عوامل. منها: 1- غرابة المنهج. 2- صعوبته النسبية. 3- وجود معوقين وقطاع طرق يقولون لهم : ما سمعنا بهذا في علمائنا الأولين والمعاصرين.  لكن صَبَر من صَبَر في تلك المحنة.. ونكص من نكص.. وتباطأ من تباطأ.. وكانت العُقبى للصابرين، نعم فلقد أكرم الله الدورة بجمع كريم أصيل من خيرة الشباب لحقوا بالركب وانضموا للفئة الصابرة حتى كانوا وِحدة واحدة على قلب رجل واحد، كتب الله على أيديهم فيما بعد قيام الدورة بين العالمين

 

واستعذبوا الأحزان حتى إنهم *** يتحاسدون مَضَاضة الأحزان

 

الحلقة الرابعة: قصة انطلاقة الدورة المكثفة في الحرم المكي

 

استمر عطاء الحلقة الحديثية في بريدة طيلة عشر سنوات، حتى وصلت حلقات تحفيظ السنة إلى أكثر من عشر حلقات قام عليها نبذة من الحفاظ الأوائل. وحين رأيتُ الحلقة قد بدأت تشق طريقها وتأخذ مكانتها في الساحة العلمية.. بدا لي أن أنتقل بها إلى طورٍ أكبرَ وأوسعَ ليعُم نفعها ويعظُم أثرها، فقمت بإعادة النظر في البرنامج وإعداد خطة جديدة لدورة جديدة يختلف نظامها عن الطريقة الأولى سواء من حيث المادة أو من حيث القدر المحفوظ، ثم درست البداية والنهاية والمدة وحجم المقرر بصورة دقيقة ومضبوطة حتى اكتملت عندي الصورة النهائية للدورة، ومن ثمَّ اخترت المكان.. فلم أجد أفضل ولا أنسب مكان لإقامتها من بيت الله العتيق في مكة المكرمة مهبط الوحي ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وفي عام 1421هـ وفي شهر رمضان المبارك ذهبت إلى مكة للعمرة في العشر الأواخر، وهناك بدأت أعمل للبرنامج الدعاية والإعلان وأقوم بتسجيل الطلاب المتميزين الذين أعلم من قرائن الأحوال أنهم قادرون على تطبيق الخطة المرسومة لحفظ الصحيحين، وكذا في كل مجلس أحضره كنت أقوم بالدعوة إلى هذه الدورة الحديثية الجديدة.. ومن سجلتُه أخذت رقم هاتفه. ومضت الأيام.. وما إن اقتربت العطلة الصيفية المزمَعُ إقامة الدورة فيها حتى سجلت ما يقارب مائتي طالب. وكنت حريصاً على أن لا يدخل الدورة إلا من أظن فيه الأهلية للنجاح في برنامج الدورة، ولذلك ربما تشددت في الشروط فكنت لا أقبل إلا من كان متفوقاً متميزاً في دراسته في الجامعة أو غيرها وأتم حفظ القرآن كاملاً عن ظهر قلب، وأختبره في ذلك، مع أسئلة فرعية أخرى في العلوم الشرعية.

 

ولم يكن يدور في خَلَد أحد كلَّمتُه عن الدورة وغاياتها أو جاءه خبرها أنها ستنجح ولا بنسبة 10%، حتى أني فوجئت بمن هم من خاصتي يستبعدون نجاحها أيما استبعاد. ولكني والحمد لله كنت واثقاً 100% أنها ستنجح نجاحاً يتحدث عنه القريب والبعيد، وكنت أقول لكل من يناقشني فيها: أنا متأكد بإذن الله أنها ناجحة كتأكدي أن الواحد مع الواحد اثنان. فكانوا لا يزيدون على الابتسامة أو السكوت المبطن. فلما كان قبل سفري إلى مكة اجتمعت مع أزيد من عشرة مشايخ وقدمت لهم استبياناً عن الدورة لأرى وأسمع آخر مشورة ورأي يتعلق بالدورة قبل البدء بها، ولكنني لم أرَ فيه أي جديد بل ربما رأيت فيه ما يخَذِّلُني ويحطِّمُ آمالي. ولكني كنتُ أقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، وكان هذا هو زادي الذي أتثبت به أمام العقبات، ودعائي الذي أدعو به كلما وجدت من يثبطني.

 

ثم قمت بباقي الاستعدادات للدورة، وكنت أعلم أن الدورة ستكون باهظة التكاليف لأنها ستقام بجانب الحرم، إضافة إلى تكاليف الإعاشة والسكن طيلة فترة الدورة. فقمت بإجراء اتصالات مع كل من رأيت فيه خيراً لكي يساعدني على أعباء هذه الدورة، وكانت المواقف مشرِقة ومشرِّفَة، فقد هبَّ أهل الغنى لتلبية جميع متطلبات الدورة من المسكن والغذاء وغيرها ولله الحمد.

ثم قمت بإعداد الجدول لمشايخ الدورة من البداية إلى النهاية، وكان قد أبدا ستة عشر شيخاً من الحفاظ استعدادهم معي للمشاركة في برنامج الدورة هم: الشيخ يوسف الغفيص، والشيخ خليل المديفر، والشيخ فهد بن عبد الرحمن اليحيى، والشيخ تركي الغميز، والشيخ عبد الله السلمي، والشيخ عبد الله الفوزان، والشيخ سليمان الدبيخي، والشيخ إبراهيم الحميضي، والشيخ صالح الصقعبي، والشيخ عبد الله التويجري، والشيخ محمد الراشد، والشيخ شافي العجمي، والشيخ عبد الرحمن العقيل، والشيخ فهد التركي، والشيخ أحمد الصقعوب، والشيخ عمر المقبل. وكانوا نعم المعينون لي في هذه الدورة ابتداء وانتهاء فلم يألوا جهداً في إسداء الملاحظات وسد الثغرات ورفع المعنويات وتوجيه الطلاب حتى انتهت على خير ما يرام.

 

وكان بعض المشايخ قد اقترح علي أن أقوم بترسيم الدورة من قبل وزارة الشؤون الإسلامية. وكان اقتراحاً رائعاً صائباً فأجريت مكالمات هاتفية مع بعض الدعاة بمكة ثم قمت بكتابة خطاب إلى الإمارة أطلب فيه الموافقة على ذلك. وجاء الرد بالموافقة على إقامة الدورة.

 

الحلقة الخامسة: الأيام الأولى لدورة مكة 1422هـ 

بعد نهاية الامتحانات الدراسية كان قد بقي على موعد الدورة أسبوع واحد، فأخذت إجازة اضطرارية في هذا الأسبوع لكي أكون في أرض الموقع حتى أستقبل الطلاب وأباشر تنظيم الأمور قبل بداية الانطلاقة، فوصلت بحمد الله إلى أرض الحرم في اليوم السادس عشر من شهر ربيع الأول بصحبة الأهل والأولاد. وما إن صارت ليلة العشرين أول ليالي الدورة حتى أقبل الطلاب من كل فج وبدأ الجوال لا يهدأ ولا دقيقة واحدة يسألون عن المكان والموقع وكان عدد من قبل في الدورة مائة وعشرون طالباً من اثنتي عشرة جنسية، وباشرت التنظيم والترتيب حتى تمت الأمور وأصبح الجميع في غرفهم وكان ذلك في فندق المروة لصديقي الشيخ محمد المحيسني.

 

وُزِّعَت الأجزاء على الطلاب وقُسِّمت المجموعات وعرف كل طالب شيخه، ثم صلوا في اليوم الثاني صلاة الصبح وأصبح الجميع على خير ثم أخذ كلٌّ موضعه في الحرم المكي أو في مسجد الشيخ ابن باز، وبدأ الحفظ وجد الجد.

 

وكان يوم السبت 20/ 3/ 1422هـ هو اليوم الأول من أيام الدورة.. وبداية الانطلاقة في حفظ الصحيحين للمرة الأولى في برامج الدورات العلمية. وكانت الدورة حينها على قسمين: قسم في المسجد الحرام، وقسم في جامع الشيخ عبد العزيز بن باز. وأما برنامج الحفظ فقد كان برنامجاً جاداً صارماً، إذ تستمر الدورة سبعين يوماً يحفظ فيه الطالب فيها أجزاء الجمع بين الصحيحين الستة، في كل يوم (20) صفحة من الكتاب المقرر. حتى يختموا الصحيحين.

 

بدأت الدورة بكل جدية وقوة، فحفظ الجميع وبدون استثناء في ذلك الصباح خمسة أوجه، وانتهى اليوم الأول والنتيجة ناجحة 100% ولما أخذ الطلاب مضاجعهم تأكدت عبر الهاتف الداخلي أن الجميع قد حفظوا عشرين وجهاً في اليوم الأول.

 

وفي اليوم الثاني استمر النشاط والتقدم على أكمله. وجاء اليوم الثالث وهو اليوم الذي كنت أخافه على مسيرة الطلاب بل كنت معلقاً النهاية على اجتيازه لأنه كان يتضمن الأحاديث الطويلة والصعبة. . ولكن عين الله كانت ترعى الجميع، فلقد مضى اليوم الثالث بنجاح أفضل من سابقيه، وحينئذ علمت أن الدورة قد كُتِبَ لها ما كنت أتطلع إليه.. وأقولها بكل صدق: كانت بداية الدورة محوطة بالعناية الإلهية، بداية ناجحة بكل المعايير، الكل فيها مقبل على الحفظ والتسميع، والصوت السائد بينهم هو "عن فلان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال..." لست تسمع غير هذا.

 

أما الطلاب؛ فمن فضل الله علي أني كنت أجيد أسلوبين: أسلوب استثارة الهمم واستحثاثها، وأسلوب صناعة المنافسة بين الطلاب بعد معرفة نوعياتهم. ولذلك فقد كنت أترقب الوقت الذي يتبين فيه من السبَّاقون؟ وما إن مرَّ الأسبوع الأول حتى تجلى المتميزون، وترشَّح عندي نفرٌ جعلتهم الطليعة في هذه المسيرة. فكان منهم: باسل الرشود، وعبد الله زكي، وتركي اليحيى، ومحمد القحطاني، ومنصور الغامدي. وبدأ التنافس المرسوم، وشحذ الهمم المدروس، وطفق الطلاب لا يعرفون شيئاً اسمه الملل أو السأم أو الفتور، وكان منظرهم يسُر الناظرين، وهيأتهم تجذب قلوب المحبين، تراهم غادين رائحين، وفي أروقة الحرم معتكفين، وعلى حفظ السنة منكبين، بل قد وجد منهم من يقضي أربعة عشر ساعة يومياً في الحفظ، حتى قال لي بعضهم وقد مضى أسبوع على الدورة: والله يا شيخ ما ذاقت عيني طعم النوم منذ ثلاثة أيام. وقمتُ بدوري في استنهاض همم البعض الذين كانوا دون هؤلاء في الحماس والسبق قائلاً لهم: كيف أنتم؟ لقد هبت الركاب فهُبُّوا، وطارت الطيور بأرزاقها فشَمِّروا.. وكانت كلماتي شديدة الوقع عليهم.

 

وقد تجلت من أخبار الطلاب أمورٌ أشبه بالكرامات أو المعجزات، فمنها: وجود بعض الطلاب يقرأ الصفحة مرتين وفي الثالثة يعيدها حفظاً عن ظهر قلب. ومنها: وجود من يحفظ يومياً مائة حديث دون أن يخطئ خطأً واحداً. ومنها: وجود من حفظ في يوم واحد ثلاثمائة حديث أي ما يعادل عمدة الأحكام أو قريباً منها. ومنها: وجود من يرتب محفوظاته ال 1000 تصاعدياً و تنازلياً من النهاية إلى البداية ومن البداية إلى النهاية. ومنها: وجود من يجلس خمس عشرة ساعة متواصلة يحفظ الأحاديث دون حصول ملل أو سأم. ومنها: تفوق حفظ الكبار على من هم دونهم. وأمورٌ كثيرة شهِدَتها الدورة الأولى، ليس لها تفسير إلا أنها ببركة السنة والاشتغال بها.

 

ومع مضي الأيام قرب انقضاء الدورة.. ولكن لم ينقضِ معها الطموح، ولم تفتُر العزائم، فالكل عازم على المواصلة ومراجعة المحفوظات بعد الدورة. وكانت مسيرة جادة نحو هدف سامٍ. .جدَّ فيه الجد، واشتد معه العزم، واستُنفرت فيه الهمم، واستثُيرت العزائم ورُفع الإعلان الكبير: "لن نحط رحالنا إلا عند الحديث الأخير". وكثير منهم حين أنهى الجمع بين الصحيحين فاضت عيناه متأثراً وفرِحاً بإتمام الكتاب.

 

وقد كنت طلبت من الطلاب أن يكتب كل من أتم الحفظ مشاعره حين أتم. وكان أول من أنهى الجمع هو باسل الرشود، حفظ الأجزاء الستة في سبعة وعشرين يوماً ثم تتابع الطلاب بعده بقوة ليأتي تركي اليحيى في المرتبة الثانية وعبد الله زكي في المرتبة الثالثة ومحمد القحطاني في المرتبة الرابعة.. وهكذا توالى الطلاب إلى النهاية في مظهرٍ لا أروع منه ولا أجمل.

ومنذ ذلك الوقت وإلى الآن.. والدورات تقام على أحسن حال وأكمل مسار.. سدد الله الخطى وبارك في العمر، وجزى الله كل من ساهم ماديًا أو معنوياً نعيمه المقيم في جنة الفردوس الأعلى.

 

الحلقة السادسة: دروس من الدورة الأولى 

 

لما رأت عيناي هذا الفضل والإكرام الذي أكرمني الله به بأن أخرِّج من برنامج الدورة حفاظاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم غمرني أمل كبير أن هذه الدورة سيكتب لها الاستمرار. وإني أحمد الله جل جلاله الذي لا يُحمد إلا إياه، فهو المتفضل السابق بنعمه، الكريم على عباده، وقد علم منا الضعف والعجز ورأى حبنا لنشر سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يخذلنا وهو نعم المولى ونعم النصير.

وقد كان لهذا النجاح أسباب وأسرار تتلخص فيما يلي:-

1 - التوكل على الله والاستعانة به واللجوء إلى عونه وتوفيقه.

2 - أنها في مسجد إبراهيم عليه السلام ، وبجوار الكعبة المشرفة في مهبط الوحي ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فما ظنك بمكان كهذا تحفَّظُ فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون عملاً مباركاً وسعياً متقبلاً.

3 - المادة المحفوظة، وهي كلام النبي صلى الله عليه وسلم. . مادة شرعية مقدسة، فيها نَفَس النبوة وروح الدين، فلا تراها إلا سهلة على الأذهان، محببة إلى النفوس، شديدة الثبات في الحافظة.

4 - حسن الاختيار للطلاب.

5 - الخدمات التي تقدم للحافظ من سكن وتغذية ونظافة وملبس، والتي يقصد منها تفريغ الطالب ذهنياً وإعداده نفسياً وصرفه عن جميع الشواغل عن الحفظ

 

 

 

  المواد المحفوظة: المرفوع الثابت من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في دواوين السنة الثمانية عشر وما يلتحق بها:

1 - الجمع بين الصحيحين

2 - الجمع بين زيادات السنن الخمس على الصحيحين

3 - الجمع بين زيادات المسانيد الخمس على السنن والصحيحين

4 - الجمع بين زيادات الصحاح الثلاثة على المسانيد والسنن والصحيحين

5 - الجمع بين زيادات المعاجم الثلاثة على الصحاح والمسانيد والسنن والصحيحين

المواد المستظهرة

1- الموقوف الثابت عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في دواوين السنة الثلاثين 

المواد المقروءة

1- الضعيف المنسوب الى الرسول صلى الله عليه وسلم في دواوين السنة العشرين

2- المقطوع الثابت عن التابعين في دواوين السنة الثلاثة عشر 

إقرأ المزيد